الجصاص
26
أحكام القرآن
والآخر حاظر فخبر الحضر أولى ، وذلك لأن الحضر وارد لا محالة بعد الإباحة ، لأن الأصل كانت الإباحة والحضر طارئ عليها ولم يثبت ورود الإباحة على الحضر فحكم الحضر ثابت لا محالة . مطلب : في الكلام على هوام الأرض واختلف في هوام الأرض ، فكره أصحابنا أكل هوام الأرض اليربوع والقنفذ والفأر والعقارب وجميع هوام الأرض . وقال ابن أبي ليلى : " لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت " ، وهو قول مالك والأوزاعي ، إلا أنه لم يشترط منه الذكاة . وقال الليث : " لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه " . وقال ابن القاسم عن مالك : " لا بأس بأكل الضفدع " ، قال ابن القاسم وقياس قول مالك أنه لا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها ، لأنه قال : موته في الماء لا يفسده . وقال الشافعي : " كل ما كانت العرب تستقذره فهو من الخبائث ، كالذئب والأسد والغراب والحية والحدأة والعقرب والفارة ، لأنها تقصد بالأذى فهي محرمة من الخبائث ، وكانت تأكل الضبع والثعلب لأنهما لا يعدوان على الناس بأنيابهما فهما حلال " . قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( ويحرم عليهم الخبائث ) [ الأعراف : 157 ] ، قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ثور قال : حدثنا سعيد بن منصور قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ ، فتلا : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) الآية ، فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " خبيثة من الخبائث " فقال ابن عمر : إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال . فسماه النبي صلى الله عليه وسلم خبيثة من الخبائث فشمله حكم التحريم بقوله تعالى : ( ويحرم عليهم الخبائث ) [ الأعراف : 157 ] ، والقنفذ من حشرات الأرض ، فكل ما كان من حشراتها فهو محرم قياسا على القنفذ . وروى عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن قال : " ذكر طبيب الدواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الضفدع يكون في الدواء ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله " ، وهذا يدل على تحريمه لأنه نهاه أن يقتله فيجعله في الدواء ، ولو جاز الانتفاع به لما كان منهيا عن قتله للانتفاع به . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار مستفيضة رواها ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة وغيرهم أنه قال : " يقتل المحرم في الحل والحرم الحدأة والغراب والفأرة والعقرب " وفي بعض الأخبار : " والحية " ، ففي أمره يقتلهن دلالة على تحريم أكلهن ،